محمد علي الحسن
239
المنار في علوم القرآن
لمن المهمات التي تتوافر الدواعي على نقلها ، والعلم بها للقاصي والداني ، كيف لا وهو بيان أول مصادر الشريعة ، وأعظم أصول الدين ، ولو كان هذا ما رأينا مثل هذا الحشد الضخم من التفسير بالرأي الذي نهض به أكابر علماء الأمة وأعلامها ، وحفلت به كتبهم ، مع إجماع أهل الحل والعقد منها في كل زمان إلى يومنا هذا ، على صحة كثير من تفسيرهم ذلك ، وعدم النكير على صنيع أصحابه ، فلو عرف هؤلاء الأعلام مثل هذا البيان ، فما كانت حاجتهم بعده إذا إلى إضاعة الكثير من وقتهم وجهدهم في تصنيف هذه التفاسير ، اللهم إلا أن يرضى عاقل لنفسه اتهام أعلام الأمة ونقلة دينها بركوب العبث ، ومخالفة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأخيرا فإن هذا هو رأي أئمة التفسير كالبيضاوي والشوكاني وغيرهم . المصدر الثالث أقوال الصحابة بعد أن بسطنا القول في تفسير القرآن بالقرآن ، وفي تفسيره بالسنة جاء أوان القول إذا لم نجد التفسير في القرآن أو في السنة فإن المصدر الثالث في الأهمية هو أقوال الصحابة رضوان اللّه عليهم . والذي يجب الانتباه إليه التفريق بين أقوال الصحابة ، فإن أقوال الصحابة في الأمور التي لا مجال للرأي فيها تعطى حكم المرفوع إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، كحديث الصحابة عن سبب النزول ، هذا هو الشرط الأول في اعتبار قول الصحابي له حكم المرفوع ، أما الشرط الثاني فقد نبه إليه علماء الحديث وهو : أن لا يكون من صدر عنه مثل ذلك القول من الصحابة قد عرف بالأخذ عن بني إسرائيل في بعض الأحيان طبعا ، وإلّا لم يعط حكم المرفوع ؛ لاحتمال أن يكون من منقولاته عنهم « 1 » ، وبعبارة أوضح ، أن لا يحتمل أن يكون لقوله صلة بما عند بني إسرائيل ، تلقى في النفس احتمال أن يكونوا هم الأصل في العلم به .
--> ( 1 ) انظر نزهة النظم في شرح نخبة الفكر ص 41 .